ابن حمدون
147
التذكرة الحمدونية
وحصول ثلاثة آلاف رأس من كراعهم ، وثلاثة آلاف رأس من جمالهم في أيدي الأولياء وأتباعهم ، سوى ما استبدت به البادية وهو أكثر من ذلك ، وتفرّق الباقون في جهات المهارب ، واعتصموا بالغياض والأنهار والمسارب . ووصل الفلّ إلى إسحاق وجعفر ، وقد كانا بقيا في قلّ من عسكرهما ، لتوجيههما جماهيره في هذه الحرب ، فما تمالكا أن انهزما ناكصين خائبين ، وضربا في البلاد مذعورين هاربين . وقيل إنّ مبلغ من نجا معهما من الفرسان ستمائة فارس ، وصار من سواهم من تلك الجموع العظيمة والأحزاب الكثيرة بين أسير مكبّل ، وقتيل مرمّل ، ومستأمن داخل في الذمّة ، وتائب مستقيل من العثرة ، وراجل لا تحمله رجلاه ، ولا يبلَّغانه النجاة ، وغريق في الفرات والأنهار لم يعرف خبره ولا بان أثره . ومنها : فالحمد للَّه ربّ العالمين حمدا لا يقصّر عن قضاء حقّه وأداء فرضه ، واستحقاق مزيده واستنجاز وعده ، وإياه أسأل أن يجعل ما أنا مصرّفه من رايات مولانا أمير المؤمنين وسيدنا الأمير منصورا على كلّ صادّ عن الحقّ بوجهه ، وشامخ عليه بأنفه ، ومتجاوز عنه بطرفه ، ومخالف له بسرّه وجهره [ 1 ] ، ومجلب عليه بخيله ورجله ، إنّ ذلك إليه وبيده ، وهو المأمول المرجوّ بفضله وطوله ، وقوته وحوله . فإن رأى مولانا أن يضيف هذه النعمة إلى نعم اللَّه عنده المطيفة به ، ومواهبه الراهنة [ 2 ] عنده ، ويعدّها من آيات إقباله وعلامات نصره ، ويزيدها في محامد أوليائه ، ومكايد أعدائه ، ويأمر بإظهارها على ما جرت العادة به في أمثالها ، ليأخذ منها المخالص حصّته ، ويعالج بها المنافق غصتّه ، وأجانبي بما أسكن إليه من أخباره وأحواله ، وأمتثله من أوامره ونواهيه ، فعل ، إن شاء اللَّه تعالى .